Friday, June 16, 2006

 

في بيروت

تنويعات غير سياسية في مناسبة سياسية
بيروت .. مدينة تكحل عينيها بالجمال
خالد عويس
صحيفة الزمان (لندن)
الثلاثاء، 16 نيسان / أبريل 2002

لا تدعك (بيروت) لممارسة الركض الصحفي فحسب، حين تفد اليها لشأن جلل كالقمة العربية، وانما تحثك على السهر على ساحل بحرها الذي عرفني اليه (نزار) واغرقتني فيه (بلقيس). (الروشة) كما توقعتها تماما... صخرة مغموسة في الماء تداعبها الامواج وتطبع على جبينها آلاف القبلات في حين تمطرها (بيتيت كافية)و (بيي روك) بالاضواء ليلا.
القليلون في هذا العصر اللاهث يجيدون اصطياد الجمال واستمهاله، يجيدون معاينة تفاصيله المتناثرة في كل شيء، القصائد التي تنهمر مع المطر لتغسل جبين بيروت، و(النرجيلة) التي تتواطأ مع الصبايا لرسم لوحة ضبابية تشعل العشق، الشوارع المغمورة بالماء والغضب البيروتي الجميل إزاء ما يصنعه شارون.
في اليوم الأول للاجتياح الاسرائيلي اختلطت اعلام (اليسار) بـ(اليمين) ووجوه الحسان بعجوز فلسطينية. هرع المصورون لالتقاط مشهدها الانساني وهي تنافح عن كرامة عربية تجري في عروق اطفال فلسطين.
مطعم (بربر)، كنا نقصده انا وصديقي جمال العلامي صحفي شاب قدم من الجزائر لتغطية وقائع القمة وسهّل لي مهمة الترجمة من الفرنسية التي يجيدها اللبنانيون الى الانكليزية او العربية، وسط الحمراء، كان مندهشا من الجمال الذي يغرق لبنان في طوفانه قلت له ممازحا (البلد الوحيد الذي لا يمكنني الذهاب اليه كصحفي.. هو بلدكم الجزائر) واجبت عن دهشته بأن الجزائر هي المسرح المفتوح دائما لاغتيال الصحفيين، كنا نبدي دهشتنا بالاطعمة والمأكولات اللبنانية ونحن نتحدث عن مستغانمي و(محمد بن عيسي) كسياسي ومثقف.
ثائر سلّوم ساعدنا بعض الشيء في انتقاء (التبولة) و(الكبة)"، ثائر، اعتبر دخولي الي فندق فينيسيا (مهمة فدائية) اذ كانت القوات الامنية تمنع الصحفيين من الاقتراب، لكني تسللت خلال يومي القمة مستفيدا من الثغرات التي دائما ما ينفذ منها (المحتالون) امثالي، لأنقل له عبر (الخليوي) ما يدور بالداخل ويترجمه هو بكفاءة نادرة، ثائر ليس صحفيا يثير الاعجاب فحسب، وانما هو متعاون الى اقصي حد على الصعيد الانساني وعبر صديقه السوري عبد الكريم العفنان حققت مرادي بالاتصال مع (مظفر النواب) عبر الهاتف عشية القمة العربية!!
مظفر النواب!! كان ثائراً يضحك متسائلا عن مغزى اتصالي بمظفر الذي سألني (ما الذي يجري عندكم؟) لم اشأ ان ازيد في خيباته، ففي الواقع كنا نعيش ساعتها اجواء بائسة وسط انباء عن اختلافات عراقية ــ كويتية، وتغيّب بعض الزعماء في لحظات حساسة، ربما كنت محتاجا ان اسمع صوت (مظفر) في تلك الاثناء، كنت محتاجا ان اسمع صوتا عربيا جارحا وشاهقا و(صادقا جدا) وأفضت المحادثة الى وعد بزيارته في دمشق. لم يكن سهلا ان ننام نحن الاعلاميين مبكرا، برغم ارهاق النهار، تبتلعنا شوارع الحمراء... نتسكع امام الواجهات ونبحث عن خبز، ثم يطوينا دخان (النرجيلة) على الساحل المخملي.

بيروت مدينة تتنفس الحب، في كل زاوية عاشقان، وفي كل شارع مسرح مفتوح للآهات والقصائد، الجمال مزروع في حجارة ابنيتها العتيقة، تشكل مشهدا فسيفسائيا يمزج بين الطرز الاوروبية والعربية والبيوت المتهدمة على الحد الفاصل بين بيروتين واحدة شرقية واخرى غربية ، اللبنانيون يحمّلون اسرائيل الذنب في ما وقع لهم من احداث وينتقدون التطور السياسي الذي لم يشب عن طوق الطوائف. يمكنك التحدث عن السياسة بحرية مع سائق التاكسي، فهو لن يشي بك الى السلطات كما هي العادة العربية، ما ان يتعرف عليك أحدهم او (احداهن حتى تكون الازمة الفلسطينية هي البديل الملائم عن الطقس وما الى ذلك من مبتدرات الحديث، يفاجئك سائقو التاكسي بمعرفة واسعة ليست عن بيروت المعقدة جغرافيا فحسب وانما بالتنقل السريع حول موضوعات سياسية وثقافية وفنية شتى، ويرتفع صوت (جورج وسوف) المفعم بالأسى من معظم الاسطوانات البيروتية، أهل بيروت يثملون بصوته، ولا زال عبد الحليم و(ثومة) حاضرين هناك.
للقضية العراقية ومأساة الانسان العراقي دبيب النمل في عروق بيروت، كأنما حكاية بلقيس ونزار على أرض بيروت لم تنته، كأنها فتحت مسارب لعشق ابدي بين بيروت وبغداد، بغداد الحاضرة هنا تختزن حضارتها وتعتصر دموعها اسى ولوعة.
(ميشيل) تجاوز السبعين لكنه يدب بنشاط كل صباح الى محله الصغير قرب فندق (الاكسندر) ليلاعب المتقاعدين النرد ويراهن على سباقات الخيول، تعهد نقلي الى حيث اردت في بيروت، وأقسم ان اتسلل معه كل صباح الى بيته الذي ينحدر في درب مائل الى أسفل وتتوسطه حديقة ينمو الرمان والكرز على اصابعها لأتناول القهوة من صنعه، يعيش وحيدا على ذكريات اسرته الكبيرة اذ لم تتح له الحرب المجنونة والتفاصيل المتفرعة عنها ان يبني اسرة بعد رحيل اخيه واضطراره لرعاية اسرته، وجهه المتغضن الحزين كان يحكي عن قسوة الظروف التي ابدلت حياته من مرافقة الصحفيين والسياح الاجانب الى كل قطعة حميمة الى قلبه من بيروت، الى حواجز امنية تأسست على الدين والطائفة وقذفت بالرعب الى قلبه كل ليلة وهو يشهد مناظر الدم والجحيم بين ابناء الوطن الواحد، الحرب لم تنته.. انها باقية في ذاكرة ميشيل.
(بيروت) علقت آمالا على قمة العرب لدفع الاقتصاد، كانوا يسألون عن قدرة العرب على تقديم مساعدات والشروع في استثمارات جديدة، يشتكون من قلة الموارد، وضعف السياحة، لكنهم ما أن تتسلل بضع وريقات خضراء الى جيوبهم حتى ينفقونها على السهر في ليل (جونية) و(ذوق ميكايل) مقبلون على الحياة، وما الحياة ان لم تكن سهرا على توقيعات "(زياد عيسي) و(مني) الموسومة بختم وديع الصافي وحليم وثومة !!، الآهات المجروحة في ليل بيروت متجاوبة مع آهات المغنيين هي ندبات تركها الزمن على جبين بيروت، وحتم على اهلها اغراق ارواحهم المتغافلة عن الحزن في حزن الأغاني.
التقيت بمن قال لي انه كان مستشارا (فلكيا) لزعيم عربي كبير، لم اصدقه بادئ الامر ، لكن حول طاولة مستديرة ببيته من بعد ظهر يوم ماطر واثناء متعتي الكبيرة برشف القهوة قدم لي ادلة ملموسة على أنه كان وثيق الصلة (بالزعيم).. انها بيروت مدينة الشعراء والثوار والفن والجمال و... الفلك!
التقيت علي هامش المؤتمر بشخصيات تركت انطباعا حسنا لدي، السيد محمد بن عيسي، وزير خارجية المغرب، انفردت به في بهو (فينيسيا انتركونتننتال) وبرغم الاحداث الساخنة سمح الحديث بالانتقال من السياسة الي اجواء (اصيلة)، وعدته بالذهاب الي اصيلة هذا العام بعد الدعوة التي تلقيتها من اصدقاء في المغرب، وتحدثنا عن ليوبولد سينغور والطيب صالح.

المستشار الاعلامي للسيد فاروق القدومي وزير الخارجية الفلسطيني، رجل علي الرغم من البركان الذي بداخله، يحمل قدرا من الانسانية والنبل ويلخص كيفية أن تصبح الثورة (ثروة) انسانية، قدمني الي د. مصطفي البرغوثي، كان الاخير ممتعضا من غياب (عرفات) ومحتقنا بالغضب، التقينا مساء في الحديقة التي يشرف عليها المركز الاعلامي.
التقيت شبابا من (حزب الله)، متطلعين لمعرفة آراء الشعوب العربية حول حزبهم، وواثقين تمام الثقة من قدراتهم علي الصمود في وجه الاسرائيليين، أحدهم ويدعي (علي) أخذني الي بيته في حي اختفت جدرانه خلف صور كبيرة للسيد نصر الله والامام الصدر، عرفني الي ابنه الوحيد (عقيل) وزوجته العاملة، حدثني عن كفاح السيد نصر الله، ومغامراته هو في مزارع شبعا، مدعومة بصور (كما هي عادة حزب الله)، علي، واحد من عشرات الشباب اللبنانيين الذين حدثوني عن صعوبة التنظيم في الحزب نظرا للتدقيق الشديد بغية منع الاسرائيليين وعملائهم من التسلل الي الصفوف، لكنهم لم ينفوا وجود عملاء اخترقوا المستويات الدنيا وترصدهم القيادة.
عرفني علي السيدة نادرة الحريري التي ترعي سبع جمعيات خيرية لمواساة العجزة والمسنين والايتام ولا تنسي الفلسطينيين، واعجبت بتصميمها الكبير علي الغاء الحواجز الطائفية والدينية من خلال عملها الطوعي، تزخر بنشاط كبير وتتوقف في الشوارع لتسأل الاطفال المشردين عن عناوينهم لتؤمن لهم مأوي، وتهتم الآن بتوسعة أعمالها لتشمل اطفال العراق وجنوب السودان والصومال وافغانستان. غبيروت راحت تمطر طيلة وجودنا، وفي بعض الليالي تساقطت الثلوج فيما كانت النهارات مخفية وراء الضباب، قالوا: ان طقسا كهذا لم يمر ببيروت في ايام الربيع منذ اربعين سنة!

Comments: Post a Comment



<< Home

This page is powered by Blogger. Isn't yours?