Friday, June 16, 2006

 

جدارية للوطن: رسائل بين يحيى فضل الله وخالد عويس

(1)
قدح القهوة يبرد تدريجيا على مرأى من الأوراق المتناثرة هنا وهناك . خاصية الحبر تستحيل الى فوضي ، وتنسج فوق الأوراق مهاميز تنكش رواق القلب . والليل كائن أبدي يتسكع فى طرقاتي . يا هذه الحمي التي تستريح على مواعيدي . مجبر أنا على الرحيل المرّ ... عنك الى كل الأوبئة ، أعبيء صدري بالتبغ ، والتشرّد . المنافي تقصف أعمارنا ، وتهدينا الوهم . توسعنا تمزقا ، وتسلبنا فحولة التحليق . تشدّنا الى الأرض بمسامير ، وتجردنا من أغطية نومنا .
تلك البلاد ، منحتنا جوازات "السلاحف" ، وعلمّتنا القريض . حرمتنا "فضيلة" الحرية ، وصادرت حبيباتنا القابعات خلف نهرها الجميل . نقشت وشمها على جلودنا وبعثت بنا الى بورصات الهجن . تمتمت على ماء غسلنا وعلّقت صلواتنا فوق نوافذ العدم . علمتنا الصهيل . أغرتنا بممارسة الحلم ، ثم غفت فوق صدورنا .
تتأرجح زوارقنا الباحثة عن مرفأ يقبلنا . كل المرافيء أوصدت بحارها . وأطلقتنا للريح . قبضنا على رمل الأيام ، وسكبنا قصائدنا فى مرمي الرصاص . أطلقنا سيقاننا للدود . وحين شرقنا بالبكاء ، عاقبتنا بـــ"المنفي الانفرادي" !!
غبار الأيام يدك حصوني . يلقمني ثدي أمي تارة أخري ، ويرضعني الدم . ينتشي بي الدخان ، ويستثنيني من معاودة النزيف . يتمشي الفراغ فى روحي . يجرحني صوت أمي وعينا حبيبتي . أفرّ من الجحيم الى الجحيم . تلتبس الأوقات المنسية . وأعثر على جثة مغني فى حنجرتي الخاوية . هل أمارس بعض الهتاف ؟ كـــــــن عونا لى يا رفيقي . كن يا صديقي جارحا كفاية لتنبئني أنني تائه ، ووحيد ، وحزين . كن يا صديقي واضحا حد القتل . بامكانك أن تشرح لى معني خفوتي ، واضمحلال نفوذي على الورق الملفوف حول جسدي . أخنق هذا الهتاف الكريه فى رئتي . أرسم بحبري جدولا للعبور . أو خذ دمي زيتا للقناديل . خذني الى مجري الدم . اصنع لى شلالات من نور الفجر . أغمض هذا الليل على جفنيّ . أعصب عيني هذي العتمة . وأمنحني راحة أن أموت على حافة حرف داو .
أختصريني يا هذي البلاد فى عينيك . قولي للراحلين ... مهلا . قولي لهم وداعا ... حتي . أبكي عليهم قليلا .
مقدور أن نتسوّل "وطن" . مقدور أن يشاد على لحمنا وعظمنا . مقدور أن يوشّي بالقصب ، ويقتات بالدمع ، ويمتص الحلوق . مقدور أن يقصّب بالوشاة ، ويكون بحجم فوهة "مدفع" .
و.... يبكون عليك . فى كلّ المدن الملعونة يبكون عليك . المدن التي لا تجيد تفاصيلها وتزرع لعنتها فينا .
"ساعدني كي أرحل عنك ... ساعدني كي أشفي منك " .
ماذا ، اذا لم تكن ؟
وماذا اذا لم أكن ؟
"أخاف الطريق اللى ما يودي ليك " و" أعاف الصديق الما يهمبيك" . وهل تصلح الصبايا اللائي نصنعهّن من دخان السجائر يا صديقي الرضي كي يخففن عنا ، عناء البحث عن سمراء تحفظ لنا "ثقب الأوزون" و"توازن الأرض" و" رائحة البرسيم" ؟؟
مصرفك لم يمنحنا سوي "شيكات مرتدة" ، ولم يطعمنا غير خبز الغربة . أفرانك انطفأت ، وشعراؤك هاموا فى المدن الوسخة . المدن التى أرجعتهم "توابيت" . أطفالك غنّوا للحرب والهلاك . خوذاتهم اللامعة ، تتشفي من قلبي . وتطارد حقول الحنطة . جفّ اللوز الأبيض ، وأنسرح الهواء النتن . اصنع لى مراجيح من القهوة ، وعلمني أن اصطاد الشمس . علمني أن أبقي .
الى أين يسافر الوطن ؟
وكيف ستبقي أمي دون وطن ؟
والى أين سيروح قبر أبي ؟
وحبيبتي .... كيف أحبها فى زرقة سماء لا تشبه سماءه ، وفى اطار "خطة وجدانية" لا تتسع لصباحاته ؟
هاتوا لى وطني .
كيف أحيا دون ساقين ؟ وكيف أتنفس هواء غير عبيره ؟
خالد عويس

(2)
عزيزي يحيي
ها قد أتينا الى التفاصيل، لا تقل لى أن أتاوا تشبه الى هذا الحد كادوقلي ، وأن أطفالها يتفننون فى مناداة القمر . أو أنهم يسرجون خيولهم فى مدارات الاستواء . لا تقل لى أن كيبيك تطابق سهول البطانة وحداءات رعاتها .
كيف أنت يا صديقي ؟
هل راق لك سجائر غير "البرنجي" ، أو كسرة خالية من الذرة ؟
كيف تستطعمون "العصيدة" هناك ، وهل تمشون فى الجنازات ؟
كيف هو شكل الطريق ، وسحنات الناس ؟
أدرك أنك تفتقد غبار الخرطوم ، وبصات "الثورة" ، وعبور الجسر الى "بحري" ، واللواري التي تقطع الفيافي باتجاه الغرب . ادرك أنك فى حاجة لسيجارة توقدها بعود ثقاب وتدهس بقاياها على تراب "نظيف" .
خيبات متراكمة يا صديقي حطت رحالها فوق ظهورنا . أجبرتنا على التمهل أمام يافطات الغربة ، وقطارات "تحت الأرض" . هل ابتلعت تلك البلاد "زرنيخ" ؟ ما أسعد أولئك الفلاحين الذين اكتفوا من الدنيا بشربة من حافة الجدول ، و"غداء للأبقار" و"بستلة" لبن آخر النهار .
هل بدا لك أن تتأمل وجوه العابرين ذات صباح "هناك" ، لتكتب على وقع خطاهم قصة ما ؟
بدا لى فى لحظة طيش أن أكتب كلاما باللغة السرية . بدا لى ، أن العن هذا الظرف الطاحن ، والبوابات !!
خذ يا رفيقي نفسا عميقا ، وحاول أن تتمدد تحت الشمس . أو تحت سقوف الليل ، وتعريشات الحزن الممتد . هل يبدو ذلك ناجحا فى صناعة وطن بديل . ستحصل على وطن "بليد" لا يشبه ما تتمدد تحت شمسه الدافئة ، وتغتسل فى أحزانه .
لا عليك ، فحفنة من ترابه ، ستجعلك قادرا على الاحتفاظ بسلامة عقلك حين تدنيها وتشمّها وتشعر بالحنين يهطل فى اتجاه آخر . حفنة من ترابه ستخفف وقع الغربة ، وتجعل الأغنيات ممكنة . غنّي يا صديقي ، فليس لنا الا الغناء

(3)
عزيزي يحيي
لا تبعد "هى" الا مسافة النواح ، ولا تجأر بالشكوي . نحن نفعل ذلك للغرابة !! هناك ما يلوح فى الافق . ثق بغريزة "البنوة" هذي . هناك ما يلوح فى الأفق . شعور جمعي يطحن الجميع هذه الأيام ، كجموع النمل حين تتحسس "حمي" الزلزال . دعنا نستميل حدسنا ، فينبئنا عن طقس الصبح ، وأناشيد العذاري . لم أفقد قدرتي على الكتابة . هذا يكفي !! هذا يكفي لاحراق لفافات صبر أخري ، والتنبوء بالرياح . هذا العشق يؤذي .. أفهم تماما انسرابه فى خضم هذه الفوضي . فلنرتب حواسنا لاستيعاب الضوء ، ومراسم الفرح .
فلتأذن لى هذه الأنثي بالتسكع مرة أخري على أرصفتها المبتلة بضوء الشمس . أو أفكها من سجني . يكفي هذا الوجع الممتد من العظم الى اللحم الحي ، من الضفة الى الضفة . فليكن حسابنا ، كحساب الغيم . ولنتضافر لزرع نهر ، أو مسرح ( فكرة أستحق عليها ثمانين جلدة اليس كذلك ؟) .
اليك بطائفة من الأنباء :
مجموعة جديدة من تراتيل القلب تنوي الهجرة
القبض على "منشورات سرية" تدعو للجمال
لا زالت الخرطوم تشتهي ميقاتها "السري" وتجيد فكّ ضفائرها
ولا زال النيل يشقّ على الردم ( اليس هذا كافيا ؟)
....
....
.....
......
.......
هذا وفى النشرة أخبار أخري (وشكرا صديقي :محمد الرطيان)
يا أيها الباكون على العتبات الخلفية : كونوا بخير
يا أيها النازفون حد الموت : كونوا بخير
يا أيها المجمرّون بغضب نبيل : كونوا بخير
فلنحفظ لهذه العذراء طيبتها ، ووجهها المضمخ بالضوء

(4)
عزيزي يحيي

كلنا الآن على صهوة (المنفي) ، وهو على وجه الدقة أكثر ضيقا فى الخرطوم . الخرطوم المشبعّة بالبزات العسكرية الآن ، لا تنوي مغادرة وقتها . لم تجشّم نفسها عناء معانقتنا ، وسفائننا تأذن بالرحيل .
يا الله كم تتغير النساء ، حين يكنّ فى قبضة (المجروس) . هى _ بعينها _ كانت مضمخّة بالعطر وحبلي بالأناشيد .
فلنناقش تفاصيل (ما حدث ) ، فالحق أن المنفي هو نتيجة طبيعية له . هل بدا لك أن تفكر فى تفاصيل (خوجلي عثمان ) يوما ما لتدرك بشاعة ما أقترفته الخرطوم (المنفية) ؟
العبرة ليست برحيله المر كما تعلم . الخلاصة فى معاداة الابداع الى هذا الحد الدموي المرعب . ثمة تفاصيل تشيع فى النفس كآبة .
لم يبتديء هذا الحفل التراجيدي الآن ، المدينة ظفرت برأس مفكر قبل عشرين عاما ، وعلّقت البذاءة على نوافذها .
قيّد البلاغ ضد شعب أعزل (للأسف) ، والى غاية الآن لا تسمح مدينتهم بتعليق أيقونته على صدرها مخافة (العار) !!
تسلل هذا السأم (الأيدلوجي) تدريجيا الى عروق المدينة ، ليشل قدرتها على التنبوء ، والجلوس أمام التسريحة لمباغتة الجمال .
كيف تكون مدينة بمثل هذه الوحشة ؟
بذل العزيز (هاشم صديق) محاولة مضحكة فى سبيل طرد الكسل الذهني والرعاش الثقافي . تعرف ، صادروا المسرح ، وحظروا (وجه الضحك) !!
أخبار قديمة ، لكنها قد تكون مسلية !!
ما أصعب أن نعاقر الغربة ، لكن الأدهي أن نقترف (القبح) بالتواطؤ مع شجر ميّت فى الخرطوم بدلا من أن نزرع أرصفة تزهو بالمطر .
سأطرح سؤالا فى غاية الطرافة ( أين تري ذهب "أسد" جنينة الحيوانات؟) .
يا الله ، حتى الأسود أضحت منفية فى هذا الزمن ( الأرجواني النبيل !!) .
حين نعود ، سنجد بقايا من وطن تشبعت به الذاكرة ، لكن هل سيكون بمقدور ذلك الاسد استعادة حديقته ؟
أفتقد (جدا) سوق الخضار وميدان الأمم المتحدة ، تلك هى (خرطومي) .
وأخشي حين أعود ، الا اجد (المتحف الوطني ) . ما الذى تغير ؟ فى غضون دورة دموية واحدة ، تمكنوا من طمس زمن المدينة ، وملاحقة (الشماشة) . أجدهم حميمين جدا ، وسأشتاق لوجوههم السمراء المتجهمة . حتما لن يكونوا وقود (ثورة فرنسية أخري ) تبجّل أصنامها ، ولا تحفل بالعشب الليّن . لماذا أنزلوا صوّر (جيفارا) من كل الجدران ، هل يذكرهم بشيء؟
ولماذا _ نحن _ الأقدر على فهم مظفر ؟
قلت لى أن سعدي تواطأ _ قسرا _ مع منفاه التليد ، هل المرء يتعود على (اللاوطن) ، أو تراه يتجرع (ذاكرة وطن ) ؟
كيف حال محجوب (شريف ) _ مثلا _ ؟
وكيف حال (وطنه) الخيّر الديمقراطي ؟
يحيي
أحمل لبلادي حين ينام الناس سلامي

(5)
الاخ الصديق خالد عويس
عارم التحايا و كثيف المودة و التقدير
دعني اتكيء علي مقولة الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي كي اخفف عنا قليلا اتهامنا بالنوستولوجيا
ان كثرة الاوطان تعني قلة الوطن
ما الذي تبقي كي لايصبح الوطن عندي من ضمن المجردات
وتلوح لي في ذاكرة مقولة علي بن ابي طالب كرم الله وجهه ـ الغني في الغربة وطن و الفقر في الوطن غربة ـ و لاتنهش اذا قلت لك اننا حققنا المقولة الشعرية الغنائية للتجاني سعيد و وردي ـ كل الارض منفي ـ وقد كتب لي صديقي السر السيد بعد قرأ ـ المنفي بكائية لا تخصني وحدي ـ كتب قائلا انه كان يظن ان مفردة المنفي تخص فقط محمود درويش
و مالنا يا صديقي نكثر الجدل حول المنفي بدلا ان نحاول ان نعري من قذفوا بنا اليه اولئك الذين يملكون القدرة علي تغير اسم شارع النيل الي شارع الشيخ زايد و تحويل مدرسة خورطقت الثانوية من منارة علم الي معسكر الدفاع الشعبي ،الذين استطاعوا ان يوزعوا الجنة حلم الفقراء القديم بخطة اسكانية للموالين مع فروقات طبقية حتي مثل ان يعطي الزبير محمد صالح سبعين قصرا في الجنة مع عدد كبير من بنات الحور اولئك اللواتي قد اصبحن يتجولن في شوارع دولة السودان العظمي و اظنك قد سمعت بتلك النكتة التي تقول ان مذكرة مكتوبة قد وصلت الي البشير تقول الاتي
نحن لا نريد الزواج ، نحن نريد ان نكمل تعليمنا
وحين نظر البشير الي الامضاء وجد انه امضاء بنات الحور
فتامل
حكي لي صديق عراقي انه لم يعد يحتمل ان يتصل بوالدته في بغداد لانها لا تستطيع ان تستوعب المسافة بين اتاوا وبغداد و كلما يتصل بها تقول انها في انتظاره للغداء
فاي منفي هذا الذي يجرح قلوب الامهات و يجرحنا نحن يوميا علي عتبات احلامنا بالعودة؟
و لا انسي ان اقول ان الشاعر العراقي الكبير سعدي يوسف قد صرح في حوار قريب معه و من كثرة ما عاقر المنافي ، صرح قائلا ـ ان المنفي عافية
و كم اخاف علي حلمي بالعودة من هذا التصريح و اظل ابحث عبر ادواتي الابداعية عن اجابة لهذا السؤال كلما ما داهمتني ركاكة الممارسة السياسية في السودان
هل المنفي عافية؟؟؟؟؟
و كل منفي و نحن بخير
و قد غني عاطف خيري متحسرا
كلما الليل
زاد نجمة في كتف العسس
جرت العصافير المطار
و دخل الشعر وكر المباشرة



ذاك الخنجر

حمي الانتظار لا بل قل هذيان الانتظار من كان ينظر الي حيث متوقع ان
تأتي لا تحيد نظراته ابدا عن الطريق الذي يتوقع ان تأتي منه اخرج منديلا
من جيبه راح يمسح العرق من علي جبينه ادخل المنديل اخرج منديلا اخر
مسح به هذه المرة علي الجزمة بعناية فائقة تؤكد استعداده التام لهذا اللقاء
و ادمنت نظراته تجول حول ذلك الطريق هكذا كان 0000000000000000000000
اعذروني كنت اريد ان احكي عن ود فرج الله و لكن ها هي ملامحه تضيع
مني و الراديو يعلن في صبيحة هذه الجمعة 11 نوفمبر من العام الرابع
و التسعين يعلن الراديو ان احدهم مجرد احدهم قد قتل الفنان المغني
خوجلي عثمان ليلة الخميس بدار اتحاد الفنانين و الفنان عبد القادر سالم
يرقد بالحوداث متاثرا بطعنات خنجر القاتل و ها نذا لا استطيع الامساك
بتلابيب السرد تتقاذفني علاقات اللاجدوي احس بانني مرتبك الي حد ما
تسيطر علي ذهني صورة لا استطيع ان اتجاوزها صورة ذلك الصقر الذي
حط علي شجرة النبق التي في منزلنا حط ذلك الصقر في هذا الصباح
فطارت مرعوبة ازواج من القماري بمخلب رجله اليسري تناول ذلك الصقر
من احد الاعشاش فرخا صغيرا كان فبل قليل يستدفئ بامه نظراته جشعة
كان الصقر لم يكتف بذلك بل حمل معه فرخا اخر بمنقاره الحاد و طار
كنت اراقب ذلك و لا املك حتي القدرة علي هشه من الشجرة كنت اراقب
ذلك بحياد حياد من اصيب في مقتل
يا روحي هاجري و فتشي
شوفي عاد كان تلقي شئ
عاد الكاتب الدرامي العظيم صموئيل بيكيت الي ايرلنده موطنه في اجازة
قصيرة بعد انتهي من دراسته الجامعية بفرنسا جاء و في باله ان يستمتع
باجازته لم يكن يتوقع ان يحدث له ما حدث و من حيث لا يدري ضاعت
اجازته علي سرير المستشفي شخص غريب لا صلة له مطلقا به لا تربطه
به ادني عداوة جاء هذا الشخص و طعن صموئيل بيكيت بخنجر انغرز
ذلك الخنجر في جسد ذلك الكاتب الذي كان وقتها شاب يتحسس طريقه الادبي
اهتم صموئيل بيكيت اهتماما شديدا بامر هذا الشخص الغريب و اصر ان
يلتقي به حين تم ذلك اللقاء سأل بيكيت ذلك السؤال الذي عذبه طيلة
ايام المستشفي
لماذا فعلت بي ذلك
رد ذلك الشخص الغريب علي تساؤل بيكيت العميق و بحياد معلن
لا لشئ
و هنا اسمحوا لي ان اسودن هذا الرد الغريب
ساكت
من هذه الحادثة الغريبة احس صموئيل بيكيت بلا جدوي الحياة احس بالعبث الذي لون كل كتاباته الروائية و
المسرحية و كان ذلك الخنجر الذي انغرز في جسده ساكت بمثابة تحول
فلسفي عميق يقول هذا الكاتب العظيم واصفا حياة الانسان
حياة الانسان ثلاث ظلمات ظلمة الرحم مرورا بظلمة الحياة و صولا الي
ظلمة القبر
يا روحي هاجري و فتشي
شوفي عاد كان تلقي شئ
مهما مهما عذبني المشي
عندي زول بقي كل شئ
يا ايها الاعزل الا من الشعر و الاغنيات
هل بالامكان ان نحلم باغنية جديدة؟
ما اقسي ان تحبس تلك الدندنة في اوتار الصمت الابدية
آه لو كنت تملك قدرة ان تمنع دمك من مغبة فعل الاندلاق؟
اسمعنا مره بس اسمعنا مره
الدنيا تبقي ما فيها مره
و الكون يلالي بهجة و مسره
حن في عمرنا عارفنو مرا
و ان قلت لا لا هم و استمر
قبل الروح تروح لو كان ذلك الخنجر الذي انغرز في عنق الكاتب العربي الروائي
الكبير نجيب محفوظ لو كان لذلك الخنجر ذاكرة لعرف كيف يتفادي تلك
القامة العالية التي هي نجيب محفوظ
آه لو كانت الاسلحة تمتلك ذاكرة
يبدو ان العالم يتجرد متخذا شكل الخناجر سكاكين فؤوس هراوات قنابل
بنادق طوابير من القتلي و زحام من القتلة دماء وقنابل قاذفات لهب كيماويات
و وبائيات وساوس و ممنوعات
فآجاتني الخناجر
ذات قمر
ناري التي اشتعلت
صيرتني رماد
تري هل يمكن ان نتصور شكل قاتلنا الجديد؟
هل بالامكان ان نصف ضذلك القاتل الذي يخطف الروح؟
هكذا بغتة تذهب التساؤلات نحو اجاباتها التي فقدت قدرتها علي النطق علي
الحركة علي حيوية ان تصمد امام التساؤلات لذلك يظل الموت قادرا تماما
علي تنويع المفاجآت
مزق عبد القادر الجريدة و انحرف مزاجه عن العمل شتاء يتسرب خفيفا
في تلافيف يوم الجمعة 11 نوفمبر من العام الرابع و التسعين السوق الشعبي
امدرمان الدلالة كاد ان يفقد حيويته لا زالت المايكرفونات تعلن عن اسعار
اللحوم انفعالات و ضجة تلتف حول معني موت المغني خوجلي عثمان
مجموعات من البشر تتناثر هنا و هناك في شكل حلقات نقاش حول الامر
احد اكشاك المرطبات حاول ان يستثمر الحدث فبحث صاحبه عن شريط
لخوجلي عثمان فانساب ذلك الصوت المسالم من خلال جهاز ال تسجيل ليختلط
بكل ضجة السوق و اختلافاتها الحميمة حول مقتل المغني
ما بنختلف
علمني بس
قانون هواك
بحفظ حروفو
حرف حرف
وقف حمد ود ام برمبيطه امام ذلك الكشك لم يشتر شيئا و لكنه بدلا عن
ذلك انحدرت دموعه و اختلطت بعرق وجهه الطيب
شفاف
زعلك بشفق
و شوفتك شفاء
و بعترف
هنا مسح ود ام برمبيطه وجهه بطرف العراقي المتسخ و تهدج ببكاء حارق
و تحرك من امام الكشك لا يلوي علي شئ
يقول الشاعر صلاح عبد الصبور في نهايته مسرحيته مسافر ليل
في يده خنجر
و انا مثلكم اعزل
لا املك الا كلماتي
و هانذا اخاف من حلمي بان تكون للاسلحة ذاكرة و ذلك حتي لا تتحقق
رؤية الشاعر ايمن ابو الشعر حول محاكمة ذلك الخنجر
يبرأ خنجر القاتل
و تشنق جثة المقتول

(6)
عزيزي يحيي

تخيّل وطنا من غير مبدعين !!
لكن بالطبع لا يصعب أبدا تصوّر مبدعين من غير (وطن) !!
الأصعب من ذلك فى تقديري ، هو أن ينصب وطن (ما) مشانق على طول طرقاته لمبدعيه !!
شفاف !!
هكذا كان بالفعل ، وممتلئا بالحياة .
هل ندرك بأن المبدعين يمنحون الوطن قدرة الحياة ؟
كيف لى أن أتصور أمتي دون هوية ومن غير تاريخ . موجع هذا التاريخ الذى يتقصّد الكمنجات ، ويتعاطي معها بحد (الخنجر) ... للمناسبة ، ثمة من يدعي (الخنجر) هناك ، هل من قبيل المصادفة ، وهل المصادفة وحدها جعلت مسؤول الثقافة يوما ما (سيخة) !!
أذكر _ يا صديقي _ حين رحل مصطفي ، كنا فى باحة الكلية ، نحاول أن نستوعب قوانين جديدة للكون ، مرّ (أحدهم) شامتا وهو يتمتم : " رحل واحد وتبقي الآخر" !!!
كان يقصد صاحب (السجن ترباسه انخلع) و( وطنّا) ، كان يقصدكم جميعا ، كان يقصد أن على أمة بأكملها أن تترجل عن صهوة تاريخها ، وأن تصبح مليون ميل مربع ... رمادا !! انتبهت لكلماته تماما . عنت لى تلك اللحظة ، أنهم قتلوا مصطفي . أثبتت الأيام لاحقا أن مصطفي نما فى كل الدروب ، وتسلل مع الريح ، والضوء ، وسكن بيوت الفقراء ، ثبت أن مصطفي لا يمكن اقتلاعه من جذورنا جميعا . لأن مصطفي ، كان (نحن) . اتأمل الآن سرقة متاحف بغداد وآثارها ، وأقول فى سري ، أن آخرين فعلوا ذلك بنا منذ عقد من الزمان . ليتهم اكتفوا بنهب القطن ، والصمغ ، والنفط . ليتهم نتفوا (ريش الجزيرة) ، وطمسوا (هوية الحنطة) فقط . لكنهم _ يا صديقي _ أختطفوا المسرح ، وصادروا القصائد ، و(عسكروا) الكمنجات .
كيف يتناسل الوعي بحجم هزيمتنا ؟
وكيف نستوعب حدود الحريق ؟
علينا أن نستمطر السماء ، يقيني أنها سخية . ولن تجود علينا بمزيد من المحن . فقط حين تقيء الخرطوم . ما أحوجها للقيء !!
بالطبع هى _ أسئلة ليست للاجابة _ تلك التى شرعنا فى رسمها بأناقة و ( نزف) . هي أسئلة تدمدم فى الأفق ، وتدعو للتبصّر . تدعو _ ربما _ للانفلات ، والتمرد على قوانين تستهلك أعصابنا ، وتسطو على شراييننا . هى _ هكذا _ تتولد فى كل الاتجاهات محرضة على التدوين والشخبطة فى شأن متشابك .
نعم _ عزيزي يحيي _ فلتتوقع مصيرا مشابها لمصير بيكيت ، ولتمارس فوضوية أكبر ! لكن ألم نواجه ذلك المصير بالفعل فى معني يتأرجح بين (التوقع) و(الذهول) ، بل والتيقن من أن ما واجهه (خوجلي عثمان) قد يكون نسخة _ طبق الأصل _ لكل مبدعي البلد ؟
قال لى أحدهم _ وهو للمناسبة فنان بقامة نخلة _ أنه تعوّد على (الانزال القسري) من خشبة المسرح ، وتعوّد أكثر _ مع فرقته الموسيقية _ على نكهة (الحراسات) . فلتضحك الآن عزيزي يحيي ملء شدقيك ، فالساعة الحادية عشر بتوقيت الخرطوم الليلي أضحت مؤشرا على كمّ الغيثارات ، وتبديد اللون .
قل لى ، لماذا يتطابق وجعنا الى هذا الحد مع الوجع البابلي السومري الكلداني ؟
قال :
حتى الظلام هناك أجمل فهو يحتضن العراق !!
كم كان السياب مؤثرا وهو يقرع ذاكرة الشبابيك البغدادية ، وتنسرب روحه نحو جيكور . لكن ... الا تتطابق ذاكرة الظلام هذي مع ذاكرتي ؟
كنت ، والليل ينشر ملاءته على أفق (القولد ) ، أمشي بلا هوادة فى دروبها المتربة ، أتنفس هواءها ، وأمرح مع نجومها . هدوء عجيب كان يغمر مدينتي القرية . أهلي هناك ، كانوا يأوون مبكرا بعد نشرة التاسعة .
وكانت الكتابة هناك طقسا متفردا ، على ضوء فانوس عتيد تنظفه أمي يوميا . أتعجب الآن ، كل وسائل المدنية متوفرة لى ، غير أنى عاجز عن الكتابة . هناك ، كنت منزرعا فى ينبوع الحياة .
هنا ، أهشّ بريشي فضاءات القفص ، وأنتظر الموت !!
اليك صديقي مظفر فى فوضوي لا يعرفها الا هو ، ووجع لا يسكن الا منفيّ مثله / مثلك / مثلي / مثلنا :

" وآه من العمر ... بين الفنادق لا يستريح
أرحني الهي قليلا .....
فاني بدهري جريح !! "
هل ننثر (أزهار الشر ) على كل طرقاتنا ، ونتقمص الفوضي ، كى نرتب غنائية جديدة للوطن ؟
يا بلدي يا فردة جناحي التاني لما الناس تطير لى عالمها
أىّ عالم يحتوينا _ يحيي _ بعد أن سقطت الشمس فى قبضة الهلام ، وأضحت الأنهار بلا ملامح ، والبيوت بلا هوية ، والشهداء بلا قبعات !!
حتي الطيور تخاف من وطني ولا أدري السبب !
والطيور ...! ما حجتها فى نزع الريش ، وتسوّل الأجنحة . لها العذر وبعض السلوي ، فالفضاء صار ملغوما ، هذا اضافة لـــــ( منع التجوّل ) و(حظر الطيران) . باغتني المنفي _ أعترف_ ، ولعلي أعترف بأني مبتذل ، وبذيء ، وحزين . ومضطر للارتياب
خالد عويس

(7)
عزيزي يحيى
عبدالعزيز العميري ، كان الأقدر على تطريز مناديل (موت معلن) حين لم يحتمل التحديق فى (فراغ) الليلة الأولي وخوائها العدمي المفزع . كان ممشاه العريض يضيق تدريجيا ، ففضّل رحابة القبر .
لماذا هذا الزمن المسموم يتقصد المبدعين ، ويجبرهم على الرحيل ؟
يذكرنّي هذا الطقس بـــ"خليل حاوي" ذات رفض .
جرّب يا صديقي أن تنصت لنواقيس "غربة ومطر" آخر الليل ، وسماء أتاوا تجود بالرحيق المرّ .
أنا جربت هذا فى ليل الرياض (!) الموحش ، اكتشفت معان جديدة لــ"الدنيا" و"الليل" و"الغربة" و"المطر" !!
حدثني عن هذا "الفلتة" .. عبدالعزيز العميري ، الى أىّ حد كان يترامي حلمه ؟
أصدقك القول ، بأننا _ فعلا _ محبطون ومأزومون و(مهزومون) ... هزيمة تغرغرت فى مفاصلنا ، وأطفأت قناديلنا ، لكنها _ قطعا _ لم تفعل ذلك منذ عقد ونصف فقط !!
الهزيمة ، كانت _ ولا تزال _ فى ذلك المشروع النهضوي الشامل الذى تموت ذبالته كلما أوقدت _ منذ خمسين سنة _ .
هى فى النقص المريع الذى يعتريه ويهدّ أوصاله . الفعل الفردي برغم اتخاذه منحي جماعيا شكلانيا ، ما عاد يجدي . ما حدث فى عاصمة الرشيد يستنهض (حدسا) ما ، يستوقد عزيمة ما ، فى اتجاه فعل ايجابي أكثر ما يكون الحاحا فى أذهان كل المبدعين وكل المثقفين ، فى انحياز كلّي للبحث فى غريزة (بقاء أمة) وقدح شرارتها .
فلنقاوم بـــ(الوعي) هذا العبث التاريخي . ولتزدان جباهنا بشمس أخري تدلي من نوافذ الوطن ، وتقرفص فى فضاءاته .
ثمة قلق يتمشي فى الأوصال من أن تستحيل هذه الغربة الملعونة الى (وطن) يتهجأ أسماءنا بصعوبة ، ويعجز عن احتواء سمرتنا ، أو منحنا (مذاق العرديب) !!
هاجرت أحلامنا وأمانينا ، بتواتر الهزائم . تجرعناها أبا عن جد . ورضينا بالموت المشاع فى الطرقات بدلا من الحياة .

الخرطوم الآن تطفيء بهجتها مرغمة . وتمرح فى العدم . سرقوا سماء طفولتها . وأغتالوا أشجارها . قنعنا بالهزيمة حين عجزنا عن الحياة . بعنا مشاعرنا فى كل المدن التى قتلت أفراحنا . استقبلتنا المنافي بـــ(الثلوج) .
وبرضو .... على بابك نهارات الصبر واقفات !!!
عزيزي يحيي ... حين أقدم على كتابة مقال عن السياسة السودانية ، يجول بخاطري _ دائما _ محرض من نوع (خطير) ، صورة التقطت فى 1994م بواسطة مصور امريكي من رويترز .. لطفل حبيب وحميم من الجنوب ، (يزحف )فى اتجاه معسكر ما ، (يحلم ) برغيف خبز وشربة ماء ، ساقاه المقوستان حنتهما المأساة ، وشلّهما الوجع . فى اثر ذلك الطفل ، يجول فى الانحاء ، نسر !! هو الآخر (يحلم) بوجبة من لحم (طفل )...(سوداني)..(!!!!)

تصوّر ، انتحر مصوّر رويترز ، وعجزت أمتي عن (الانتحار) أو حتي التوقف عن الذهاب الى بيوت الأعراس (الفضائح) . هل نحن أمة (فضيحة) يا يحيي ؟ من القاتل ؟ .....
....... والمقتول فينا ... والرهينة ؟
هذه الصورة وحدها ، قادرة على جعلى أستوعب تفاصيلنا على نحو مختلف ، ورصد رعافنا اليومي ، وصديدنا المتقيّح . ثم ... خذ: (الامريكان ليكم تسلحنا)!!
أعترف الآن بأن (انتحار) ذلك المصوّر ، كان أكثر الأحداث منطقية فى (تاريخنا) ...تصوّر !!
تلك هزيمة أكبر ، ويا وجعي من هزيمة مثلها !!
حين يشحّ الخبز ..... نثور
حين يجفّ الضرع ...نثور
حين .... !!! ( يا لها من ثورات) !!
ما أبعد تصوراتنا عن نافذة الضوء .
الحرقة ليست كافية لرسم خريطة جديدة للوطن (العذاب) . ولا تحشيد الأرق الليلي . فلتسلبنا _ الهي _ هذه المتعة الذاتية والخيانة المتفردة !!
ولتمنحنا لذّة أن (نزحف) فى اتجاه معسكر للمجزومين والمضطهدين العائشين تحت جلدنا .
هل ثمة فارق كبير بين (زحفه) الموجع فى اتجاه معسكر الاغاثة ، و(زحفنا) المجيد فى اتجاه المنافي ، و(زحفهم) العظيم فى اتجاهات (لا شيء) فى الداخل ؟
ثرثرنا طويلا ...كفانا !
ومضغنا كبد الوطن المغدور .
الحب ... الحرب !! يا لها من معادلة عجيبة ، تفلح دوما فى تلقين الأطفال .. الدرس الأول فى (اللاجدوي)

(8)
مزروع فى الضفة الأخري ، وليس سوي قارب مثقوب تهدهده الريح .
منسجم مع تفاصيل لوعتي ، وتهتّك أنسجتي . مفزع هذا الفراغ الكوني ، ومشحون بالشتاء الطويل . محقون بكيمياء الشارع ، وجغرافيا الوداع . أتجرع هزائمي على مسافة نهر . وتقاومني الصحراء فى محاولات الولوج .
عيناك لى سقيا ... !
عيناك ، وتهت فى مدارات أحزاني ، وأفلاك غربتي . عيناك ، والمقهي والأصدقاء ، والأغنيات ، والنجوي!
لا يفاجئني هذا التوتر . ينزف فىّ . مخبوء هو فى مسامي ، وأنت بعيدة مسافة اشتهاء (وطن) . ألوذ اليك حين يحاصرني الحزن . أقاليمي مسكونة بالدخان ، وفى ذاكرتها عنفوان من عطرك .
هل يدركنا الوقت فنمضي ؟
هل يدركني الوقت ، فأمضي ... وحدي ، كراهب بوذي . تضوّع جثتي بالصندل ، ويذري رمادي فى النهر . أية أيقونة فخارية ستحوي هذا الملل فى جثتي ؟

(9)
خالد عويس
ساتقصي لك عن مدي الاحلام لدي العميري
و ساحسب تلك المسافة بين الصقر و بين طفل السودان و بين انتحار المصور والتقاطه للصورة و حتما سنعاني كثيرا حين يصل هذا القياس الي ما يسمي بصقور النظام و لام الحمائم سجعهن
ودخن يا صديقي سيجارتك الاخيرة و اعلم ان الارض ليست للجميع
سبق لي ان شاهدت هذة الصورة التي تقتلني مئات المرات في النت و لا ادري فهل بالامكان نشر هذا الصورة في هذا البوست فذلك يكثف هذه المجادعة الالكترونية
خالد
كنا نطرب ونحن القرويون لوصف فضيلي جماع للخرطوم بغابة الاسمنت و حين سكنتها كنت اتامل المسافة بين غابة الاسمنت و بين
غني يا خرطوم غني
و شدي اوتار المغني
و ضوي من حبهة شهيدك اغنياتك
و اطمئني
و لنا الان ان نتحسس خراب المدن و رصد ملامح شيخوختها او قل طفولتها الشائخة قريبا جدا من ظاهرة ترييف المدن وليس بعيدا ايضا عن ترييف السياسي
يلا سلام وخليتك بعافية
يحيى فضل الله

(10)
يحيي...
نعم ... فالعميري يستحق عناء التأمل ، واجتراح الذاكرة من أجل معاينة حلمه الفسيح . كان رحيله المر ايذانا برحيل مبدعين آخرين ما استطاعوا العيش فى خضم الفوضي التى ضربت مفاصلنا .
هو الآخر تم نفيّه بذات الطريقة السمجة !!
ويقابلونك بابتسامات صفراء تجعلك زاهدا فى الدنيا ، كم هى تافهة تلك الابتسامات التى تضمر الخراب !!
أىّ المشانق ... لم نزلزل بالثبات وقارها ؟
لكن المشانق تهون بالنظر الى (الموت منفيا) .
كل يوم ، تتسلل من فراشك ، فلا تجد شمس السودان تغمرك بالضياء
ولا زحمة المواصلات تغريك بالتحدث الى جارك عن السياسة و( الهلال) و(المريخ)
ولا المشكلات الصغيرة بين (الكمساري) والركاب .. تلك المشكلات (البهار) التى تجعل للدنيا طعما آخر !!
ولا ( عم عبده اليماني) يطالبك بسداد دين الشهر المتبقي لبقالته
ولا الغبار الناعم الذى يجعلك تعود الى بيتك آخر النهار متمسحا بتراب الوطن ومعمدا به
ولا صفوف الخبز والبنزين
ولا طعم (الفلس) حين تقرأ جريدة جارك فى الحافلة ، عند العوز وعدم القدرة على شراء صحيفة
.... تكابد مشقة النهوض من الفراش ..
وحتما لن يكون (عاطف خيري) بانتظارك قرب ( ست القهوة) التى تجلس أمام المكتبة الأكاديمية فى شارع الجمهورية
ولن تستمتع بنقاشات التشكيليين فى (أيتنيه) هذا اذا لم يطبق رجال الأمن عليكم بدعوي ( التجمع المشبوه)
حتى مطاردات السيارات المظللة ستفتقدها فى ذلك الصباح
وستفتقد عناء الرجوع الى المنزل فى وقت متأخر من الليل بعد أمسية شعرية ، أو معرض كتاب
وقهوة أمك ، و(النبق) و( التسالي) و( عيش الريف)
لن يكون بمقدورك أن تزحف فى صف طويل ليتسني لك الدخول الى الملعب والتمتع بمشاهدة هلال مريخ ، ومضغ قصب السكر ، ثم مشاكسة ( شرطة العمليات )
أو ممارسة رقص حميم فى حفلة عرس على أنغام (النور الجيلاني) وهو يقطّر ( كدراوية) أو ( جوبا) فى أذنك ، وانت لا تري بدا من الانصهار بجسدك فى ذلك المد الموسيقي القاتل
لن تتمكن هذا الصباح من شرب الشاي وغمس البسكويت البيتي فيه ، اثناء سماعك لنشرة الوفيات من (اذاعة ام درمان) كطقس أمومي حميم أدمنته أمك على مدي سنوات ، فأدمنته أنت كذلك
ولن تتمكن عند الظهيرة من الاستلقاء متحررا من معظم ملابسك لانقطاع الكهرباء _ كالعادة _ ، ولا قبول دعوة من (زهاء الطاهر ) لبيته فى الفتيحاب لحضور منتدي مصغر عن فلسفة الجمال مثلا ، أو حتي مراقبة الناس فى مطعم (البربري) أو أكل (الصير) فى الموردة !!
ولن تحرقك الشطة التى تحاول ان تداري بها بؤس (البوش) وطعمه اللاذع حين يكثرون الشمار والكسبرة !!
ولن تلتقي _ صدفة _ بالصادق الرضي فى ناحية (الدراسات الاضافية ) بجامعة الخرطوم ، أو التوجه لمكتب الاستاذ نجيب المحامي لرؤية الشعراء والاستماع الى جديدهم !!
ولن يقابلك حتما المتسولون ، وهم يلحون عليك فى اعطائهم (حق الله ) ، ولن تذهب الى المولد هذا العام ، أو تتسلي بمتابعة (بريش) الجميل فى ابداعه اليومي وهو ينظم حركة المرور قبالة نادي ناصر الثقافي الذي تحوّل بقدرة قادر الى (......)
ولن يعانقك صديق قديم حتى تسمع صوت عظامك ، وهو يسألك عن الأهل ، والأصدقاء
كل هذا لن يحدث ، تخرج من بيتك فتعاين وجوه لا تشبهك ، وتمارس أشياء غير التى تعودت عليها ، وتغازلك شمس لا تتمتع بحرارة شمسنا ولا لهبها ، ويخيّم عليك ليل ، ليس فيه شيء من ليل بلادك
وتعود الى منزلك آخر الليل لــــــــ"تعاقر" الوطن وتستحلب ذكرياته ، وتنام مخدرا بفعل "الكأس الوطني اليومي " !!
خالد عويس


(11)
عميري يضمد في اخر الصيد جرح الغزال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
اكون كضاب
لو اترددت
شان استقبلك جواي
و لو قاومت حد السيف
بريقو يلخبط الهداي
صحيح قبلك
شراع الدهشة ما صفق
و لا كان العرق وداي
دي حتي الاغنيات قبلك
حروف ابياتا كانت ساي
عبد العزيز عبد الرحمن العميري ـ ذلك العصفور المسمي مجازا العميري ـ كما قال الشاعر ازهري الحاج ، طاقة فنية متعددة الجوانب ،قلق دائم يبحث عن جناحين يحلق بهما في سماء الحرية بين شفافية الروح و حصار الراهن اليومي ، ممثل متمرد علي الثوابت ، علي الاكلشيهات ، شاعر صاحب ذائقة خاصة ، ضجة من الصور الشعرية ، ضجة تعرف كيف تتقمص الدور
في نواصي الليل نشدتك
اقصي حته من السكون
الاحد الخامس و العشرون من يونيو العام التاسع و الثمانين من القرن المنصرم ، الاحد الذي سبق موته ، كان العميري يتجول داخل الاستديو ، استديو التلفزيون ، ليسجل اول حلقة في برنامج جديد و كان قد نجح يومها ان يسجن ثنائي النغم داخل الاستديو بعد غيبة غنائية طويلة ، تري كيف خطرت ببالك تلك الفكرة ايها المشاكس ؟ ، فكرة ان تجمع الثنائيات الغنائية ، تعطل التسجيل و تم تأجيله الي الاحد القادم ـ لكن ـ
كان العميري قد ذهب الي حيث لا رجعة مودعا صناعة الافكار الجميلة
في مايو من العام الثالث و التسعين ، امام شجرة اللبخ التي تجمل مدخل المسرح القومي سلطنا كاميرا التلفزيون علي خضرتها الداكنة من اعلي و تحركت الكاميرا الي شجرة لبخ اخري كانت قد تعرت من خضرتها و اعلنت يباسها فبدت عجفاء لا توحي بغير الموت ، عندها بدأت حديثي عن العميري في برنامجي المخصص لذكراه ، تحدثت نادية احمد بابكر ، حسبو محمد عبد الله ، خالد جاه الرسول صاحب بوفيه المسرح القومي هرب من الكاميرا من حزنه العميق تجاه هذا الفقد ، اوقفنا عدد من المارة في شارع النيل ، سألناهم عن عميري
كنت احلم بتقديم سهرة تلفزيونية عن العميري ، كنت احلم
داخل استديو اسماعيل الازهري بالاذاعة او استديو ـ الف ـ ، دارت اشرطة التسجيل داخل المكنات ، التقطنا مسامع درامية فيها ذلك الصوت العميق ، التقطت الكاميرا دوران الاشرطة ، ومن داخل الاستديو كان خطاب حسن احمد يحاول ان يحرض ذاكرته و بحزن خاص ، محمد عبد الرحيم قرني يتحدث عن العميري و متأكد ، متأكد تماما من وجوده الحي الخواطر الجميلة ، في الغناء العذب ، في بحث عن نكتة ،في اشهار الامكانيات الجمالية ضد القبح و اعلن قرني اعجابه الشديد بروح العميري الساخرة و المتأملة ، محمد السني دفع الله يتحدث عن ـ شريط كراب الاخير ـ تلك المسرحية التي تخرج بها العميري في المعهد العالي للموسيقي و المسرح من تاليف الكاتب العالمي صموئيل بيكيت ، هكذا دائما العميري يميل الي حيث التضاد ، لم ينس السني ان يتحدث و بعذوبة عن عشق العميري للمدن ، مصطفي احمد الخليفة اقتحم الاستديو و نثر تلقائيته المميزة علي الجميع ، كانت محطة التلفزيون الاهلية قد اعلنت عن ملامح كوميديا جديدة فجرها ذلك الجيل ، من داخل الاستديو كان معتصم فضل يتحدث عن العميري ، خارج الاستديو صلاح الدين الفاضل يتداعي الي درجة البكاء امام الكاميرا ، تذكرت ان محمد نعيم سعد لم يحضر و ان الرشيد احمد عيسي متوقع حضوره ، حرضت الكاميرا علي النيل ، قذفنا علي موج النيل بعض الحجارة بحثا عن تلك الدوائر المائية التي تكثف معني الزمن
في استديو التلفزيون تحدث فاروق سليمان عن العميري ، تحدث عصام الصائغ ، في ابروف كانت اميرة عبد الرحمن العميري ـ شقيقته ـ تعجز امام الكاميرا ، تعجز عن ان تحكي من نكات عميري ، في الحتانه ابو عركي البخيت تتجاذبه الذكريات و عفاف الصادق لا تستطيع الحديث عن عميري ، و نحن نتاكد من التسجيل داخل الاستديو ، احسست بفقد حقيقي حين غني عركي هذا المطلع من اشعار عميري
فصلي التيبان مرايل
لي طفل قاسي العيون
و ابقي قدر الدمعة دي
و نوحي في الجنب الحنون
حين كان معي شكرالله خلف الله داخل مكتبة التلفزيون نحاول ان نجمع ارقام الشرائط التي تحوي روح العميري داخلها كان هنالك همس حول هذه السهرة ، تحول الهمس الي وسواس و اتفق علي مشاهدة مواد هذه السهرة و يبدو ان الاتفاق كان سريا للغاية و حين بدأنا نجهز للمونتاج فقدنا بعض الاشرطة التي كنا قد اودعناها المكتبة ، في بحثي عن الحقيقة تلك التي دائما تكون في التلفزيون بين القيل و القال عرفت ان شخصية مهمة في التلفزيون قد اخذ هذه الاشرطة و انكر ذلك ، هكذا اخطبوط من العراقيل ، متاريس للقبح ، كنت اتحدث في هذه السهرة المعتدي عليها عن ان العميري هو تلك الحيوية ، حيوية الروح ، انه ذلك الشفاف ، وجود في الذاكرة ، حضور في الوجدان و في ختام السهرة قرأت هذا المقطع من شعر العميري
اديني سمعك في الاخير
انا عمري ما فاضل كتير
شالوهو مني الامنيات
الضايعة في الوهم الكبير
و الدنيا ما تمت هناء
لسه فاضل
ناس تعاشر
وناس تضوق طعم الهناء
بكرة اجمل من ظروفنا
و لسه جايات المني
كنت اتحدث عن هذا التفاؤل المعترف بالموت ، تفاؤل يصر علي ان الحياة لا تتوقف كما ان الموت لايتوقف ، سمعت بعد ذلك ان السبب الاساسي في اعدام هذه السهرة هو هذه الجملة الشعرية
بكرة اجمل من ظروفنا
العميري يعرف كيف تكون السخرية عميقة ، يبحث دائما عن الضحكة و حين لا يجدها يتعب و لكنه لايعدم حيلة في ان يخترعها ، يعرف كيف يمارس الحياة ، ممارسة الحياة تحتاج الي بصيرة نافذة تعرف كيف تنسجم مع التناقضات ، كتلة من النشاط و الحيوية ، لايعرف فراغ الذهن ، يملأ كل الاماكن بظله المتمرد دوما علي الاصل ، قلق جدا و لكن رغم ذلك يدمن التأمل ، كنا نناقش مفهوم الحبيبة في الشعر الغنائي ، الحبيبة التي تداخلت في النسيج اليومي للحياة و حين نقول ـ اليومي ـ سرعان ما يفكر اولئك المتشاعرون و النقاد اصحاب الذائقة المرتبكة و اللغة المطلسمة انه حين يكون اليومي حاضرا في نسق القصيدة يكون الشعر غائب و تكون الشاعرية ضعيفة و لكن العميري وحده الذي يستطيع ان يرد علي ذلك
ليكي مليون حق تخافي
ما جبت ليكي شبط هدية
و انا طول الدنيا حافي
من الابيض ـ حي القبة ـ حيث ولد العميري بعث لي شقيقه احمد العميري رسالة تضج بحزن التساؤلات
ـ لقد ذهب و لكن من للصغار الذين يطيرو كالنحل فوق التلال؟
من للعذاري اللواتي جعلن القلوب قوارير عطر تحفظ رائحة البرتقال ؟
من يسقي الخيل عندما يجف في رئتيها الصهيل ؟
من يضمد في اخر الصيد جرح الغزال ؟؟؟؟؟؟؟؟؟
كلما احتفل الزبديون بتراكم عام في نسيج هذا الخراب
ساتذكر ان عميري وثق برحيله المتزامن جدامع انتهاكهم ، وثق العميري برحيله ذلك التضاد الجميل مع اخطبوط القبح و الظلام
ارتعشت مني الاطراف و انا اتسامر مع عوالم خليل فرح في ديوانه المحقق من قبل الراحل المقيم و الوناس العذب علي المك و ذلك لاني اكتشف ان خليل فرح قد رحل عن هذا الدني في يوم ثلاثين يونيو من العام الثاني و الثلاثين من القرن المنصرم ، هل تراني اصطاد المصادفات كي اؤكد تشاؤمي بهذا اليوم ؟؟؟؟؟؟
ان الحزن علي العميري ، حزن يرفض الخصوصية ، انه حزن عام ، حزن رمزي جدا ، ان نحزن بفرح و نفرح بحزن هي خاصية يملكها العميري كما يملك الطفل لعبته و
ده كلو من السواحل ديك
و من ظلم المعدية
انا البعت الفرح لليل
و غشوني المراكبية
يحيى فضل الله

(12)
لميري عينان تحويان صفاء الكون ووداعة الطبيعة السخية .
لا شك أن "ابكر آدم" يعرفها !!
هى صديقتي فى كلية الطب . لم اتذوق قهوة أشهي من تلك التى تصنعها على مهل . لكن أسرارها الانسانية كانت أعظم من السائل الاسود . كان الدكتور مروان يقول لى على الدوام : ( طالما ميري عارفة مواعيد جيتك ، يبقي شغلتك بايظة ، الجماعة اكيد عارفين !!) كنت أسرح ببصري نحوها وهي تلمّع آنية القهوة ثم تضع قليلا من السكر لكلينا _ واقاطعها _ ( ( بدون جنزبيل يا ميري )) ... فترد (( ايوة انا عارف يا خالد .. انا عارف قهوة بتاءك )) ، وتصب القهوة وتنادي علىّ (( خلاص تآءل شيل ))
ميري ، كانت واحدة من اللواتي يمنحنني قدرة على الرفض والخلاص ، لا اعرف لماذا أحببتها الى هذا الحد وأحبتني كواحد من بنيها . جعلتني قادرا على معرفة أن الانتماء للانسانية هو أعظم انتماء يمكن أن يتشكل فى دواخلي .
كانت تذكرني بأمي على الدوام . تصّر على أن تكون قهوتي على حسابها !! ، واشعر أن الأمر ينطوي على ((أمومة)) من نوع ما . أعتذر بلطف فتزيد الحاحا ، وادرك أن المبلغ الذى تقتطعه من قوت عيالها اكراما لى يمثل بالنسبة لها قيمة أعظم ... يا الله لا زالت الدنيا تحوي مثل اولئك القديسين ؟؟
كيف فات على ان ميري علمتني من دروس الحياة بأكثر مما صنع اساتذتي فى الجامعة !!
ميري ..
لصباحات مريدي المشبعة بالرطوبة والمثقلة بحبات المطر
لعشبها الأخضر ومراعيها الفسيحة
للنداءات الغامضة فى بطن الأحراش
ورقصات الحصاد
للصلوات فى عينيك
ونواقيس الكنائس
للمعني الانساني العميق الذى يرقد بأعماقك ، رافضا الحقد والكراهية ، ومبشرا بالنقاء
لقهوتك التى اشتاق اليها فى غربتي
لأحاديثنا البسيطة الطاعمة فى صباحات الخرطوم
لوجهك الوضيء المغتسل بالنور
لأغنيات الطبيعة التى تختلج فى عينيك
لكل الذين تسببوا فى منعك من الحصول على حياة تستحقينها ، وصفحت عنهم لبياض نيتك
لبشرتك الابنوسية ، وحشمة مشاعرك
لأن ( كل الحاصل ) لم يلوثك
ولأنك ( زولة ... بسيطة .. ومكافحة ... وغنية )
ولأنك مثّلت قيمة فى حياتي .. وتركت أثرا لا يمكن محوه
ولأنك ...أمي
دعيني أقبّل جبينك الطاهر الف مرة
وأمنحيني لذة الانتماء الى النقاء الذى يجوس فى انحائك
ميري
لا ترحلي
فأنا محتاج اليك
محتاج حين اعود ، للارتماء فى حضنك والبكاء طويلا ، امام معبدك ، والتمسح بثوبك
لا ترحلي ميري
فالأفراح ( لابد من ترجع )
( لو واصلنا صباحا بيطلع )
لأن ذلك الصباح طالع بالفعل من عينيك
واذا رحلت يا ميري
اتركي لى عنوانك
هل تغادر (أم) من دون أن تترك عنوانها لابنها المنفي ؟
عذرا ميري
لأنني لم أبق
وعفوا عفوا
لأن البريد لم يحمل اليك ابدا رسائل مني
ولعل مروان يكون قد بلغّك سلامي ومحبتي

لا تتركوني لهذا الحزن وحدي
فباب ذاكرتي موارب
وطير الروح
لا يقوي علي النسيان
لا تستقيم دروب عاطفتي
كي احادل خطوة الامكان
و الوتر الرفيق
كيف الطريق و لا رفيق؟
كيف احتشادك بالعذوبة
و الحرف يفقد سر ان يرتاح
في لحن صديق
يا صديق الغربة و الالم الحريق
يا منتمي للالفة و المعني العميق
يا وتر عزة هوانا
يا مصابيح الطريق
يا مبعثر
و منسجم
يا معاند
يا رقيق
يا منسرب كالنسمة
من جوف المضيق
يا حوار روح الفراشة
مع الرحيق
يا جدال الريح
مع الموج الغريق
يا مصطفي من التألف
في الاجنة
وكل اوجاع الطريق
يا معادي
وانت عادي
للرمادي
وكل حيادي
وكل منتفع صفيق
يا مصطفي من هميم الاغنيات
من هميم الاغنيات علمتنا
ان برق الصحو
ميلاد البشارات
و تاريخ التفأول و البريق
يا صاحبي
هذي ثمارك اينعت
و العصافير استراحت
علي غصن وريق
لك ان تنام الان
فالحب يسقي
بذرة الامكان
و الشجر الصديق
بالله
كيف سلبت الدمع حزنه
و خبرت اسرار العشيق؟؟
و انحزت طوعا
لاحلام الطفولة
في الفريق؟؟؟؟؟؟

يحيى فضل الله

(13)
العزيز يحيى
لماذا لا نتسكع حول كرمة ذلك البدوي الضالع بال....


جاء الى الخرطوم ابان الديمقراطية ،، كانت الخرطوم حينئذ تبتل بمطر العشق وتلوى اعنة خيلها باتجاه الغمام ،، طلع الى المسرح سكرانا ومبتلا بالشوق ،، احتشدت اشجار التبلدى وغابات النخل ،، مد يديه ليعانق السمر الذين صاحوا :
سبحانك كل الاشياء رضيت
.....!
وميضه غشى بيادر هاجعة وايقظ سنابل القمح لتفتح شرفات الدور الريفية ..
يقتله نصف الدفء
... ونصف الموقف اكثر
يحزنه الصلب .. المحق ... والبذاءة قليلا !
يشرق كصباحات ليلية ويرعد بوتريات صباحية !
مظفر ... سليل العائلة العريقة الذى سلخ ثيابه وخرج الى الدنيا عريانا "جدا" وحزين ..
فاجأته الدنيا بنزق توافر على قلبه وتسلل الى روحه
شهر حروفه البذيئة الموجوعة ليدون فاجعته وفواجع الناس ...
اصغر شىء يسكره فى الكون
فكيف الانسان ؟؟؟
هذا العراقى المتوحش ... الجميل !
ان تخلّى مظفر عن توتره وقلقه .. تخلى عنه الشعر
هو اكثر الشعراء جنونا وجموحا فى عصرنا هذا
يمزق قلبه كل ليلة بخناجر من " ورد" وشفق وعطر
ثم يسكب قنانى الخمر على الجرح المفتوح .. هل يهدأ ؟
يا هذا المتحشرج فى الرمق الاخير
خذنى
انى بردان ... واحن لدجلة
وطنى وطنك
قلبى قلبك
ودمائى يسفحها الجلادون على عتبات تعرفها جيدا
يا هذا العرق النافر فى رقبتى
اقول لك كما قلت لى :
" وآه من العمر
بين الفنادق لا يستريح
ارحنى الهى قليلا
فانى بدهرى جريح "
هل هى اكثر القصائد تعبيرا عن حالك يا صديقى العجوز
يا بحار البحارين
من اطفأ ضوء سفينتك ؟
من اهداك العشق الابدى لتسكن قلبى
اثمل بالشعر وبعض التفاح
فالحمرة فى الخدين بقايا شمس منطفئة
والكأس ذبالة شمعة !!!!

هذا المبتل بخمر أبدي


ماذا كان يعني
"سبحانك ..
كل الأشياء رضيت...
سوى الذل..
وإن يوضع قلبي في قفص في بيت السلطان..
وقنعت بكون نصيبي في الدنيا...
كنصيب الطير...
ولكن..
سبحانك..
حتى الطير لها اوطان..
وتعود اليها..
وأنا لا زلت أطير...
فهذا الوطن الممتد..
من البحر الي البحر..
سجون متلاصقة..
سجان..
يمسك سجان..
"
هل كان يعنيني
يعنيك
يعنينا ؟؟؟



ولكن أين البصرة يا مولاي
وما شأني بالبحر
- لا يوصلك البحر إلى البصرة ؟
- بل يوصلني
- لا يوصلك البحر إلى البصرة ؟
- بل يوصلني البحر إلى البصرة
- قلنا لا يوصلك البحر إلى البصرة ؟
- أحمل كل البحر وأوصل نفسي
أو تأتي البصرة إن شاء الله
بحكم العشق
وأوصلها ...


متي نبلغ "بصرتنا " يا يحيي ؟؟؟

"توضأت بماء الخلق ،
أخذت بهذي القيثارة
دوزنت عقوداً أربعة
وشددت على وجع المفتاح الخامس والسابع
فاعترض النحو البصري عليَّ
كذاك اعترض النحو الكوفيّ
من لا أعرفه يعرف نحواً في الشعر
دع الريح يهدهدك الهدهدة الإهداء
نذرك كان كثير الشمع الأحمر والآس
ومرت كل شموعك من تحت الجسر
وأوغلت كثيراً في البحر
فأين البصرة ؟!
صحيحٌ أين البصرة ؟
البصرة بالنِيّات
لقد خلصت نِيّاتي
وتسلق في الليل عمى الألوان عليها
أين البصرة ؟
أين البصرة ؟ مشتاق
بوصِلتي تزعم عدة بصرات
منذ شهور قلبي لا يفرح إلا بين النخل
أتسير ببوصلة ؟!
- حين يكون لذلك فائدةٌ
ما دختَ ؟!
- إذا كنتُ بلا أملٍ
يا صاحب هذا الكلك المتعب
أنت تسمِّيه المركب ، لا بأس عليك
تفاءل ما شئت
أطلق ما ترتاح من الأسماء عليه
"

نحن دوزنا على الوتر المليون
فمتي نبلغ بصرتنا ؟



"هذي الحقيبة عادت وحدها وطني
ورحلة العمر عادت وحدها قدحي
أصابح الليل مطلوباً على أملٍ
أن لا أموت غريباً ميتة الشبح
"
وهل ثمة ما يقال ؟

خالد عويس

(15)
تبرأت من هذا العجين
وهذا لمن يدرك الباطنية في العشق بعض انتمائي
انا انتمي للجموع التي رفعت قهرها هرما
واقامت ملاعب صور و بصري
واضاءت بروج السماء بابراج بابل
انا انتمي للجياع و من سيقاتل
انا انتمي للمسيح المجذف فوق الصليب
و قد جرح الخل خد الاله علي رئتيه
و ظل به امل يقاتل
لمحمد شرط الدخول الي مكة بالسلاح
لعلي بغير شروط
وللزيدي يدق علي قحف كل غني
فما زال منهم كثيرون حول معاوية يضربون الصنوج
و يرعون شأن الحروب
انا انتمي للفدائي ... ولرأس الحسين
و للقرمطية كل انتمائي
و للماركسيين شرط الثبات مع الفقراء
وشرط القيام بها بالسلاح كما هي اصلا
بدون التفاف ودون رياء
هكذا يعلن مظفر النواب عن انتمائه و بوضوح عاري وبخليط من العلائق الفكرية و الدينية ويعلن ايضا حين يصادفه ـ علي ـ الاهوازي ـ جيفارا ـ ماركس ـ ماو ـ وهو ينشد تفاصيل تعذيبه يعلن
فالثوار لهم وجه واحد في روحي
وتسالني يا صديقي امام شاعر رائي مثل مظفر النواب ـ تسالني هل ثمة ما يقال؟
سعدت كثيرا بمرافقتي لمظفر النواب حين زار السودان كثمرة من ثمار الديمقراطية وكان ذلك بدعوة من اتحاد الكتاب السودانيين وقد تعلمت كثيرا وانا ارافق هذا الشاعر المتامل بمزاج صوفي و عقلية مقاتل ثوري و به من تواضع البسطاء الجميلين درجات و مقامات و قد كان مظفر مصر جدا علي معرفة الحياة السودانية من خلال معايشتها بالتجول معنا في الاسواق و الاحياء الشعبية و كان يهرب من دعوات اصحاب البدل الانيقة مفضلا ان نسهر في مرزوق او ان نقيل في بانت و لا انسي دعوة العشاء التي كانت في حي الزهور بالديم و قيها التقي بمصطفي سيد احمد و حرضناه علي قراءة قصائده بالعامية العراقية و صاحبته اوتار مصطفي سيداحمد وقد يفضل كثيرا ان لاينام في الفندق الكبير وبه شغف طماع لقياس ليل السودان مع ليالي غربته الطويلة
لم يبق الا ان ارتب الغربة في صندوقنا مع الثياب و الاوراق والمهانات التي سمعناها
الليلة الشعرية الاخيرة لمظفر النواب بقصر الشباب و الاطفال ـ كان مظفر قد قدم ثلاث ليالي شعرية الاولي بدار اتحاد الكتاب بالمقرن وليلتين بمسرح قصر الشباب ـ
حين كان الجمهور المحتشد و بكثافة داخل قصر الشباب منتظرا فتح ابواب المسرح و حين وصلنا و معنا مظفر النواب و خرجت انا من العربة كي ابدا في ترتيب تفاصيل الليلة وجدت الاستاذ ابراهيم العوام الذي كان مديرا للقصر وقتها واقفا امام المسرح و حين وصلته فاجاني قائلا
يا يحيي انت عارف دي موسسة تربوية و ما ممكن نقبل ان
نقدم شاعر بسكر امام الجمهور
ودخلنا في شبكة وابراهيم مصر علي منع مظفر النواب من لقاء هذا الجمهور الكبير الذي البعض منهم في نقاش مع العام و كان هنالك مقال في جريدة الراية في نفس اليوم كتبه المتشاعر ابو قرون عبد الله ابوقرون عن ان مظفر النواب يسكر اثناء قراءته لشعره وانه بذئ و...
وتركت الجمهور يجادل العوام و رجعت الي مظفر و اخبرته بالمشكل وكان هو داخل العربة و بابتسامة مشعة قال لي انه علي استعداد ان يقرأ شعره للجمهور خارج المبني وعلي شارع الموردة و اتفقت معه علي هذه الموامرة الجميلة و رجعت الي ابراهيم الذي اشتد عليه جدل الجمهور و ووصلت معه الي اقتراح غريب و هو ان يكتب اتحاد الكتاب تعهد لسيادته بان لا يسكر مظفر النواب وهو يلقي اشعاره علي خشبة مسرح القصر و تحركنا انا وهو الي دار اتحاد الكتاب و وجدنا الراحل المقيم علي المك وكان وقتها رئيسا للاتحاد و شرحت له الاشكال و كان العوام يدعم خوفه الاداري بكمية من تبريرات التي تنفي تماما علاقة العوام بالفنون و حين طالب العوام بكتابة ذلك التعهد الغريب نظر علي المك في وجه العوام نظرة خليط من الرثاء و التهكم وقال بصوته الجهور
بس كده؟
وتناول ورقة وكتب التعهد و ونظر الي العوام مرةاخري و ختم علي الورقة بختم الاتحاد بعد الامضاء و ناولها للعوام و حين هممت بالخروج من المكتب مع العوام ناداني علي المك و قال لي
تفتكر المسالة دي جادة يعني
الستارة مغلقة و الجمهور مكتظ داخل الصالة و مظفر يجلي علي كرسي بين الكواليس بعد ان وضع سرميس و قارورة علي المنبر وكأس صغير و قبل ان اقدمه للجمهور داهم المنبر شخصان و بحاسة كلبية شم كل منهم محتويات السيرمس و القارورة و خاب ظنهما اذ لم يجدا خمرا فقد كان السرميس به قهوة و القارورة بها زيت زيتون و قد كان مظفر يخلط القهوة بزيت الزيتون وذلك ليكسب صوته تلك المرونة العذبة التي ينتقل بها من حالة شعرية الي اخري
لم يكن مظفر النواب يسكر علي المنابر كما يشاع و اظن ان خمرياته العذبة و لجوءه الي التعبير الدرامي جعلت الكثيريين من الانطباعيين يظنون ذلك و تماما كما قال
كل مزاج تفحصني
و تبارت علي جسدي الشائعات
فاوقدت قنديل عشقي
مظفر النواب يستخدم مفردة الخمر و علاقاتها و علائقها بانسياب وانفتاح علي التاويل يفضح غباء التفسيرات
انني صب
اسمي كلما يسلب لبي خمرة
ان كان حسنا
او قراح الماء من كف كريم
او حزاما ناسفا
او بيت شعر او مداما
ـــــــــــــــــــــ
ايها الشارب ان لم تكن شفافا
رقيقا كزجاج الكأس
لا تدخل طقوس السكر و الكينونة الكبري
فسوء الخمر يؤذي
بينما يقتل سوء الخلق
فاشربها كريما دمثا
تطمع ان النار تستثني الكراما
ـــــــــــــــــــــــــــ
غسلت عيوني بالجعة الذهبية
كي يترنح هذا الحزن
وحطمت علي ارصفة الغربة كأسي
غازلت البعض شظايا الكأس
شظايا لا يمسكني احد
صرت شظايا اجرح
اجرح حتي حين انام
ــــــــــــــــ
اواصل سكري بالكون
و يربكني ان اقوي الخمور الردئ
و اغسل حنجرتي بالنبيذ
ففي القلب حزن جبان
و حزن جرئ
ــــــــــــــــ
هذا بعض من شظايا خمريات مظفر النواب و هي شظايانشوته بخمر الوجود
و قد نظم الحزب البعث العربي الاشتراكي في السودان حملة عدائية ضد زيارته للسودان و حاولوا ان يطعنوا في شاعريته و مواقفه من خلال كتابات في جريدة الهدف وكما احزنني ان شارك في هذه الحملة ناقد ادبي مثل مجذوب عيدروس و لم يسكت مظفر علي ذلك فقد قذف في وجههم بهجاء لئيم
نهشتني ضبعة تأكل من كتف العراق
و قد رد ايضا علي الذين اتهموه بالسكر علي المنابر
انا اسكر لكي لا اري الدنيا التي فيها اراك
لست بحاجة يا صديقي كي اؤكد ان مظفر النواب من اكثر الشعراء حدة في الهجاء ولكنة لايفقد شاعريته و هو يهجو
فيا حضرة كتاب التقارير
تشيطنت فلم اذكر نظاما
رافعا فردة شباطي كالهاتف
كي اشتمهم
يا اخوات .....
قطع الخط
و لم اكمل مراسيم احترامي
ربما بالفردة الاخري ارادوا الاحتراما
و انفاس مظفر الشعرية جادلت السودان
فاسدة هذه البيضة
فاسدة ياولدي لا يخرج منها عصفور
فلماذا تحمل عش البيض الفاسد
في دوحة كفيك حريصا
الق العش الي البحر
تحرر من انك ملتصق بالبر
وغامر
فالكل علي الكل مغامر
و العالم اجساد وخناجر
هاتوا صخرة بركان سوداء
لاحفر زهر جنوب السودان
وصوت البوق الازلي
وزمجرة السحر الاسود
في قدم الراقصة السوداء
ــــــــــــــــــــــــ
كل عصافير الغابات و مأتم ظل في قلبي
و الخرطوم تذيع نشيد لزجا
يحمل رأس ثلاثة ثوريين
و وجه منكمش كمؤخرة قنفذ
اين ستذهب يا قاتل؟
يا قنفذ
الناس عراة فيالشارع
الناس بنادق في الشارع
الناس جحيم
اي الابواب فتحت
فهنالك نار
و لله جنود من عسل
و علي رأسك يا محجوب
رأينا سلة خبز تأكل منه الطير
ـــــــــــــــــــــــــــ
وتسالني يا خالد متي نعود لبصرتنا و قد تكاثرت القنافذ و وغطت اشواك قبحها كل الاماكن؟؟
ولان مظفر النواب شاعر يعرف كيف يهاجر في غابة ضوء من دمعته فهو يحمل الان مقبرة رفضتها القيامة
موت واحد علمني الدنيا
نبي واحد علمني الالحاح
وحمل قناديل الرؤيا
تري هل تحقق فكرة القنفذحالة كوننا امة فضيحة؟؟؟؟؟
يحيى فضل الله

خالد
اسمح لي ان اصحح خطأ استراتجي هنا
الخرطوم تذيع نشيد لزجا
يحمل رأس ثلاث ثوريين
ووجه نميري منكمش كمؤخرة قنفذ
ارايت نسيت كلمة نميري و بذلك اكون قد نسيت القنفذ الذي سنتحمل من اجله عبءالفضيحة

Comments: Post a Comment



<< Home

This page is powered by Blogger. Isn't yours?